من سأحدثكم عنه اليوم شاب واجه صعوبات جمة مع بداية حياته العملية، انه “مدحت” الذي تخرج في كلية الطب سنة 1979 بتقدير عام مقبول، غير انه شاب هادئ وخجول طيب القلب ودقيق جدا في عمله الذي يحبه.

 

عمل في إحدى محافظات الصعيد بعد تخرجه وكان محبوبا رغم انه كان يعاني من صعوبة في التعامل مع الناس هناك لأنه بطبعه خجول ولأنه قاهري ولا يفهم جيدا طبيعة أهل الصعيد، ولهذا وجد صعوبة في التكيف مع الناس هناك.

 

حاول أن ينتقل للعمل في القاهرة وأخيرا نجحت محاولاته العديدة فانتقل للعمل في القاهرة، وبينما كان مهتما بعمله أحب زميلة له في العمل فتقدم لخطبتها غير أن أهلها اشترطوا عليه أن يهاجرا بعد الزواج لاستراليا لان كل أهلها هناك وليس لها في مصر سوي أمها التي كانت أيضا تخطط للهجرة إلي هناك لتكون إلي جوار أولادها وأحفادها.

 

بعد تردد وافق “مدحت” الذي كان جميع أصحابه يحسدونه علي تلك الفرصة الرائعة للهجرة،فتم الزواج وبعده بأشهر قليلة كان العروسان قد انتهيا من جميع إجراءات الهجرة واعدا كل شيء ثم ودعا الأهل والأصدقاء وسافرا إلي استراليا.

وهناك جاهدا كثيرا في أعمال متنوعة لما يقرب من أربعة سنوات إلى أن نجح “مدحت” في امتحان المعادلة لكي يستطيع أن يعمل هناك طبيبا.

 

وكما نقول في إحدى صلوات القسمة عن السيد المسيح “انه نما قليلا قليلا…” فهكذا أيضا مدحت ظل يعمل بكل قوته لتتحسن ظروف حياته ولينمو قليلا قليلا.

وساعد في ذلك أن زوجته كانت أيضا تعمل معه غير أنها كانت تترك العمل أحيانا لظروف الحمل أو الولادة، وقد أهداهما الله ثلاثة من الأطفال الرائعين.

 

وتمر السنون ويكبر مدحت وزوجته وكذلك أولادهما الثلاثة الذين صاروا فيما بين المراهقة والشباب وهنا بدأت تظهر المشكلات التي لم تكن في الحسبان، فالابن الأكبر قد التحق بجامعة مرموقة ويقيم بها لبعد المسافات، ويقيم معه بنفس الحجرة زميل له مدمن!

 

والابنة الوسطي فتاة طيبة ولكنها تفتخر بكونها أسترالية وتعرف حقوقها جيدا وغالبا ما تضيق ذرعا باتصالات أمها بها للاطمئنان عليها ولا تريد مراقبة من أهلها وهذا بدوره يشعر “مدحت” بالخوف على ابنته التي تسعي للخروج عن السيطرة والقانون في صالحها فهي حرة.

 

وأما الابن الأصغر فهو دائم السخرية من أبويه المصريين والذي يري أنهما جاءا من بلاد اقل تقدما من بلده أو قل من بلد متخلف.

 

جلس “مدحت” مع زوجته وتسالا: هل اسأنا تربية أولادنا؟ أم أنها قوانين وظروف البلد التي يعيشون بها؟

إنهما يشعران أن أولادهما يخرجون من أيديهم.

اتصل بي “مدحت” من استراليا وحكي لي مشكلته ولكن ما أثار دهشتي إنني عندما سألته عن أخبار من يعرفهم من المصريين هناك وعن ظروف العلاقات بين الأبناء ووالديهم هناك قال لي مثلما يحدث معي!!

توقفت قليلا عند عبارة قالها لي قبل أن ينهي حديثه التليفوني معي:

“أنا باحسدكم عشان انتم عايشين في مصر وصحيح مصيبة أهون من مصيبة”.

 

فكرت في كلام “مدحت” وقلت حقا إننا في مصر نعاني من الضغوط الحياتية ومن الأزمات المالية ومن العديد والعديد من المشكلات ولكن أن يشعر الإنسان انه على وشك لان يفق أولاده فهذه أزمة لا تضارعها أية أزمة أخري.

 

وكما نقول في مصر”الضنى غالي” بمعني أن اغلي من في حياة الإنسان أولاده.

المشكلة هنا إن الشباب ليسوا آباء ولا يشعرون بمعاناة الآباء الذين في موقف مشابه لموقف صديقنا مدحت، كل ما يعنيهم أن يحققوا ذواتهم بالعمل وبالنجاح ولهم كل الحق في هذا.

 

ونحن كمرشدين لا نستطيع أن نمنعهم من السفر أو الهجرة للخارج ولكننا فقط نريد أن نهمس في أذن كل شاب يريد أن يسافر للخارج ونقول له:

“اعلم أن الجنة ليست هي الخارج فالمشكلات هنا وهناك”.

 

صديقي خادم الشباب

لو كانت لديك مذكرات مشابهه لما قرأته فلماذا لا تكتب لنا عنها.

نرحب بكتابتك

rafaelabouna@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أزمة منتصف العمر

أولاً: مقدمة وتعريف تعرف ازمة منتصف العمر بانها المرحلة التى يمر بها الانسان ما بين 40 – 5…